منظومة SAP… عندما يصبح التحول الرقمي مشروع وطني

بقلم: المستشار الدكتور فاروق شاهين
خبير اقتصادي ومستشار مالي وضريبي
ليست عظمة الدول بما تمتلكه من ثروات، وإنما بما تمتلكه من مؤسسات قادرة على التطور، وتشريعات تحقق العدالة، وإدارة تؤمن بأن المستقبل لا يُصنع بالاجتهاد الفردي، بل بمنظومة متكاملة من القانون والتكنولوجيا والكفاءة.
ولعل من أهم المشروعات الوطنية التي تستحق التوقف أمامها مشروع تطوير الإدارة الضريبية المصرية من خلال منظومة SAP، باعتبارها إحدى الركائز التنفيذية لمسيرة التحول الرقمي التي تتبناها الدولة المصرية.
إن القضية ليست برنامجًا إلكترونيًا جديدًا، ولا مجرد استبدال الأوراق بالشاشات، وإنما انتقال نوعي إلى إدارة حديثة تعتمد على تكامل البيانات، وسرعة تداول المعلومات، ورفع كفاءة الأداء، وتعزيز مبادئ الشفافية والحوكمة، بما يحقق التوازن بين حقوق الخزانة العامة وضمانات الممولين.
وقد جاء هذا التوجه متسقًا مع سياسة الدولة في بناء اقتصاد رقمي حديث، وترسيخ بيئة استثمار مستقرة، وهو ما انعكس في حزمة من التشريعات الضريبية التي شكلت الإطار القانوني للتحول المؤسسي.
فقد وضع قانون الضريبة على الدخل رقم 91 لسنة 2005 الأساس التشريعي لتنظيم الضريبة على الدخل، محددًا قواعد الوعاء الضريبي، والإقرار، والربط، والفحص، والطعن، وحقوق والتزامات الممولين، بما يهدف إلى تحقيق العدالة الضريبية والاستقرار التشريعي.
ثم جاء قانون الضريبة على القيمة المضافة رقم 67 لسنة 2016 ليواكب التطورات الاقتصادية، وينظم فرض الضريبة على السلع والخدمات، ويحدد حالات التسجيل والخصم والرد والإعفاءات، بما يعزز كفاءة النظام الضريبي ويتوافق مع الممارسات الحديثة.

ومع التطور المتسارع في استخدام التكنولوجيا، صدر قانون الإجراءات الضريبية الموحد رقم 206 لسنة 2020 ليشكل نقلة تشريعية مهمة، إذ وحّد إجراءات ربط وتحصيل عدد من الضرائب، وأرسى أساسًا قانونيًا للتعاملات الإلكترونية، والإقرارات الرقمية، والمراسلات الإلكترونية، وحفظ الملفات الضريبية، بما يدعم التحول الرقمي ويعزز كفاءة الإدارة الضريبية.
إن هذه المنظومة التشريعية المتكاملة تؤكد أن التحول الرقمي لم يكن مجرد توجه إداري، وإنما أصبح خيارًا قانونيًا واستراتيجيًا يعكس رؤية الدولة نحو تحديث مؤسساتها.
ورغم ذلك، فإن كل مشروع وطني بهذا الحجم يواجه بطبيعته تحديات عند التطبيق، وهو أمر شهدته تجارب دولية عديدة عند الانتقال إلى الأنظمة الرقمية واسعة النطاق. وتظل قيمة المشروع في قدرته على التطوير المستمر، والاستفادة من الخبرات العملية، والاستجابة للملاحظات الفنية، وتعزيز التدريب، لأن نجاح التكنولوجيا يرتبط دائمًا بكفاءة العنصر البشري.
ومن هذا المنطلق، فإننا نتوجه بخالص التقدير والاحترام إلى وزارة المالية، وقيادات مصلحة الضرائب المصرية، وجميع العاملين بها، لما يبذلونه من جهود متواصلة في تنفيذ برامج الإصلاح المؤسسي والتحول الرقمي، وهي جهود تمثل ركيزة مهمة في تطوير الإدارة المالية للدولة.
كما نتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى دولة رئيس مجلس الوزراء لدعمه برامج الإصلاح الإداري، وإلى فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، الذي أولت الدولة في عهده اهتمامًا كبيرًا بتطوير البنية الرقمية، ودعم مشروعات التحول الرقمي، وتعزيز التنمية المستدامة، وتحسين مناخ الاستثمار، باعتبارها من المحاور الأساسية لبناء الجمهورية الجديدة.
إن الاقتصاد الحديث لا يقوم على الضرائب وحدها، وإنما يقوم على الثقة، والثقة تُبنى بالقانون، والعدالة، والشفافية، وسرعة الإنجاز، والتواصل الفعال بين الإدارة الضريبية والممولين.
واليوم، تقف مصر أمام فرصة حقيقية لتعظيم الاستفادة من منظومة SAP، ليس فقط باعتبارها منصة إلكترونية، وإنما باعتبارها مدرسة جديدة في الإدارة الحكومية، قوامها المعرفة، والانضباط، والحوكمة، والتطوير المستمر.
وإذا كانت الأمم تُقاس بقدرتها على استشراف المستقبل، فإن المستقبل يبدأ من مؤسسة تؤمن بالتحديث، ومن تشريع يواكب العصر، ومن قيادة تمتلك الإرادة، ومن كوادر وطنية تعمل بإخلاص من أجل رفعة الوطن.
وهكذا تبقى منظومة SAP أكثر من مشروع رقمي… إنها عنوان لمرحلة جديدة، يكون فيها القانون هو الضامن، والتكنولوجيا هي الوسيلة، والإنسان هو صانع النجاح، ومصر هي الرابح الأكبر.
