مقالات القراء

قانون الاستثمار رقم 72 لسنة 2017إطار تشريعي متكامل لدعم التنمية الاقتصادية

بقلم الدكتور فاروق شاهين الخبير الأقتصادي

يمثل الاستثمار أحد الركائز الأساسية لتحقيق النمو الاقتصادي المستدام، وهو ما أدركته الدولة المصرية مبكرًا من خلال تطوير الإطار التشريعي المنظم لبيئة الأعمال. وفي هذا السياق، صدر قانون الاستثمار رقم 72 لسنة 2017 ليشكل نقلة نوعية في مسار الإصلاح الاقتصادي، واضعًا أسسًا جديدة لمناخ استثماري أكثر استقرارًا وتنافسية، قادر على جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية ودعم خطط التنمية الشاملة.
خلفية تشريعية ورؤية اقتصادية
جاء قانون الاستثمار الجديد ليحل محل قانون رقم 8 لسنة 1997، في ظل متغيرات اقتصادية إقليمية ودولية فرضت ضرورة تحديث التشريعات الاقتصادية بما يتوافق مع متطلبات العصر. وقد تزامن صدور القانون مع برنامج الإصلاح المالي والنقدي، ليعكس رؤية الدولة في تحسين مناخ الاستثمار وتبسيط الإجراءات، وتوحيد جهة التعامل مع المستثمر، وتعزيز الضمانات القانونية، وتقديم حوافز تنافسية على المستويين الإقليمي والدولي.
ويُعد القانون أحد الأدوات التشريعية الداعمة لرؤية مصر 2030، حيث يهدف إلى توسيع القاعدة الإنتاجية، وتعزيز دور القطاع الخاص كشريك رئيسي في عملية التنمية.
ضمانات قانونية لتعزيز الثقة
حرص قانون الاستثمار على توفير مجموعة متكاملة من الضمانات التي تطمئن المستثمرين، وفي مقدمتها حظر التأميم والمصادرة إلا بحكم قضائي، وعدم جواز نزع الملكية إلا للمنفعة العامة وبمقابل تعويض عادل، إلى جانب عدم فرض الحراسة على الشركات إلا بقرار قضائي. كما أكد القانون مبدأ المساواة الكاملة بين المستثمر المصري والأجنبي، وعدم التمييز بسبب الجنسية، بما يعزز مناخ العدالة وتكافؤ الفرص.
وفي الإطار المالي، كفل القانون حرية تحويل الأرباح ورؤوس الأموال إلى الخارج، وحرية فتح الحسابات المصرفية بالعملة الأجنبية، وهو ما يعد عنصرًا حاسمًا في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
تسوية المنازعات وحماية الحقوق
أولى المشرّع اهتمامًا خاصًا بآليات تسوية المنازعات الاستثمارية، حيث أتاح اللجوء إلى التحكيم، وشجع على الوساطة والتسوية الودية، مع إنشاء مراكز متخصصة لفض المنازعات. وأسهم ذلك في تقليل حدة النزاعات، وتعزيز الثقة في الإطار القانوني المنظم للاستثمار.
حوافز استثمارية محفزة
لم تقتصر فلسفة القانون على توفير الضمانات، بل امتدت إلى تقديم حوافز استثمارية متعددة. فقد تضمن حوافز عامة تشمل إعفاءات من ضريبة الدمغة ورسوم التوثيق، وحوافز خاصة مرتبطة بالمناطق الجغرافية، حيث منح خصومات ضريبية أكبر للمناطق الأكثر احتياجًا للتنمية، بما يحقق قدرًا من العدالة المكانية ويشجع الاستثمار خارج النطاقات التقليدية.
كما أجاز القانون منح حوافز إضافية بقرارات من مجلس الوزراء لبعض الأنشطة الاستراتيجية، مثل رد جزء من قيمة الأرض أو تحمل الدولة تكلفة المرافق، بما يعزز قدرة هذه المشروعات على الانطلاق والاستدامة.
نظام الشباك الواحد: إصلاح إداري جوهري
يُعد نظام الشباك الواحد من أبرز الإصلاحات التي أقرها قانون الاستثمار، إذ أسهم في تقليل البيروقراطية، وتسريع إجراءات تأسيس الشركات، واختصار الزمن اللازم للحصول على التراخيص. وقد انعكس ذلك إيجابًا على ترتيب مصر في مؤشرات سهولة ممارسة الأعمال، وساهم في تحسين صورة مناخ الاستثمار أمام المجتمع الدولي.
أثر اقتصادي وتنموي ملموس
أسهم تطبيق قانون الاستثمار في زيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، خاصة في قطاعات الطاقة، والصناعة، والتكنولوجيا، والعقارات، إلى جانب تحفيز الاستثمار المحلي ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة. كما ساعد القانون في خلق فرص عمل جديدة، ودعم التدريب ونقل التكنولوجيا، وهو ما انعكس على معدلات التشغيل والنمو الاقتصادي.

نستطيع أن نقول  في النهاية انه في المحصلة، لا يمثل قانون الاستثمار رقم 72 لسنة 2017 مجرد حزمة من الحوافز المالية، بل يشكل إطارًا تشريعيًا متكاملًا لبناء مناخ استثماري آمن، وعادل، وتنافسي. ورغم ما واجه التطبيق من تحديات في بعض المراحل، فإن القانون يظل أحد أهم أدوات الدولة لدفع عجلة التنمية الاقتصادية، وتحفيز رؤوس الأموال، وترسيخ الثقة في الاقتصاد الوطني، بما يجعل الاستثمار قاطرة حقيقية نحو اقتصاد قوي، متنوع، ومستدام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى