مدرسة تحت ضغط الأعداد محاصرة بين سلامة الطلاب وحقوق المعلمين

بقلم /دعاء زكريا
الأم مدرسة إذا أعددتها أعدت شعبًا طيب الأعراق».. مقولة للشاعر الكبير حافظ إبراهيم، تختصر أهمية التربية في بناء الأجيال، وتؤكد أن المدرسة والأسرة شريكان أساسيان في صناعة شخصية الطالب وتشكيل سلوكه.
وفي ظل ما تشهده بعض المدارس من تزايد في المشاحنات والمشكلات بين الطلاب، تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في البيئة التعليمية المحيطة بالطلاب، ليس فقط من خلال محاسبة طرف واحد، وإنما عبر معالجة الأسباب الحقيقية التي قد تؤدي إلى التوتر والعنف داخل المدرسة.
ومن بين النماذج التي تستحق التوقف أمامها، مدرسة الشهيد أحمد عصمت الرسمية لغات بمنطقة عين شمس، والتي كانت تُعرف بمستواها الجيد، ويشهد لها الجميع بتخريج المتفوقين كل سنة بل ويتهافت الآباء على إلحاق أبنائهم بها لسمعتها الطيبة وانضباطها بين المدراس
نفاجئ هذا العام وبعد ضم فصول المدرسة الملحقة إلى المدرسة الأم بزيادة كبيرة وملحوظة في أعداد الطلاب، وهو ما انعكس على الفصول والمقاعد والإمكانات المتاحة، وكذلك على المعلمين.
زيادة الأعداد.. ضغط على الفصول والإمكانات
ضم فصول الملحقة إلى المدرسة الأم أدى إلى ارتفاع أعداد الطلاب بشكل كبير، بما يفوق الطاقة الاستيعابية لبعض الفصول والإمكانات المتاحة من المباني ودورات المياة داخل المدرسة.
ومع زيادة الأعداد، أصبحت الفصول أكثر ازدحامًا، وهو ما يفرض ضغوطًا إضافية على الطلاب والمعلمين معًا، خاصة أن الطلاب القادمين من فصول الملحقة لم يمروا بنفس المسار الدراسي والاجتماعي الذي مر به زملاؤهم في المدرسة الأم منذ مرحلة رياض الأطفال.
وهذا التكدس انعكس بالتالي على قدرة الطلاب على التكيف، كما زاد من احتمالات الاحتكاك والمشاحنات بينهم، وهو ما حدث بالفعل من مشاجرات متتالية بين الطلاب الأمر الذي يتطلب تدخلًا تربويًا وإداريًا يراعي طبيعة المرحلة والظروف المحيطة بها.
المعلم.. طرف أساسي في المعادلة
وفي خضم هذه الأزمة، يبرز المعلم باعتباره أحد أكثر الأطراف تأثرًا بزيادة أعداد الطلاب.
فإذا تضاعفت أعداد الطلاب بينما ظل عدد المعلمين دون زيادة تتناسب مع هذا التغيير، فإن الأعباء الواقعة على المعلم تصبح أكبر، خاصة عندما يُطلب منه التعامل مع أعداد كبيرة داخل الفصل، إلى جانب متابعة السلوك والتحصيل الدراسي والاحتياجات المختلفة للطلاب.
وتزداد الصعوبة عندما تعمل المدرسة بنظام الفترتين، بينما لا يتم توفير العدد الكافي من المعلمين المتخصصين لتغطية كل فترة بشكل مستقل.
ومن هنا يطرح السؤال نفسه: هل تم توفير العدد الكافي من المعلمين بما يتناسب مع الزيادة الكبيرة في أعداد الطلاب؟ وهل أصبحت المباني والفصول والمقاعد والإمكانات التعليمية متناسبة مع الأعداد الجديدة؟
هل يعمل المعلم لفترتين كاملتين؟
من بين النقاط التي تحتاج إلى معالجة واضحة، ظروف عمل المعلمين في ظل نظام الفترتين.
فاستمرار المعلم في العمل لساعات طويلة تمتد من السابعة صباحًا وحتى الخامسة مساءً يمثل عبئًا كبيرًا، وقد يؤثر على قدرته على أداء رسالته التعليمية بالكفاءة المطلوبة.
المعلم يحتاج، مثل الطالب تمامًا، إلى بيئة مناسبة تساعده على أداء دوره. ولذلك فإن توفير معلمين للفترة الصباحية وآخرين للفترة المسائية، متى سمحت الإمكانات، قد يكون أحد الحلول المطروحة لتخفيف الضغط وتنظيم العملية التعليمية.
عودة الطلاب إلى المدرسة الملحقة.. أحد الحلول المطروحة
ومن بين الحلول التي يمكن بحثها إعادة طلاب الفصول الملحقة إلى المدرسة التي كانوا يتلقون فيها التعليم، إذا كانت الإمكانات تسمح بذلك، بما يساهم في تخفيف الكثافة داخل المدرسة الأم.
كما يمكن دراسة توفير العدد الكافي من المعلمين المتخصصين للعمل على الفترتين، بحيث يكون هناك معلمون للفترة الصباحية وآخرون للفترة المسائية، بما يمنع تحميل المعلم أعباء تفوق قدرته ويضمن حصول الطلاب على الإشراف والرعاية التعليمية اللازمة.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن الحديث عن المشكلات السلوكية داخل المدارس دون التوقف أمام الدور الأساسي للأسرة.
ففي كثير من الأحيان، عند وقوع مشاجرة بين الطلاب، يتجه بعض أولياء الأمور مباشرة إلى تحميل المدرسة والمعلمين كامل المسؤولية، بينما يجب أن تكون الواقعة فرصة لمراجعة سلوك الطالب داخل المدرسة وخارجها، ومعرفة الأسباب التي دفعته إلى الدخول في المشاجرة، والعمل على تصحيح السلوك بدلًا من الاكتفاء بالبحث عن طرف لإلقاء اللوم عليه.
فالمدرسة لا تستطيع وحدها أن تقوم بدور الأسرة، والأسرة أيضًا لا يمكنها أن تتخلى عن دورها التربوي وتنتظر من المدرسة معالجة جميع المشكلات.
التربية مسؤولية مشتركة، والانضباط يبدأ من المنزل ويستمر داخل المدرسة.
سلامة الطلاب مسؤولية تستوجب التحرك
إن الهدف الأساسي من طرح هذه المشكلة ليس توجيه الاتهامات إلى إدارة المدرسة أو المعلمين أو أولياء الأمور، وإنما لفت الانتباه إلى ضرورة التعامل مع أسباب الأزمة قبل أن تتفاقم.
فالطلاب أمانة، والحفاظ على سلامتهم مسؤولية جماعية تتطلب توفير الإشراف الكافي، وتنظيم أعداد الطلاب داخل الفصول، ومراعاة قدرات المدرسة الاستيعابية، إلى جانب توفير العدد المناسب من المعلمين.
كما أن أي قرار يتعلق بتوزيع الطلاب أو الفصول يجب أن يضع في مقدمة أولوياته سلامة الطلاب وانتظام العملية التعليمية والظروف الإنسانية والمهنية للمعلمين.
وفي النهاية، فإن معالجة أزمة مدرسة أحمد عصمت، أو أي مدرسة تواجه ظروفًا مشابهة، لا ينبغي أن تقوم على تحميل طرف واحد المسؤولية، بل على تشخيص المشكلة بصورة دقيقة، والاستماع إلى الإدارة والمعلمين وأولياء الأمور والطلاب، ثم اتخاذ القرار الذي يتناسب مع الإمكانات المتاحة ويضمن بيئة تعليمية أكثر أمانًا واستقرارًا.