“أم ياسر” عرافة على الرصيف تسكن الزمالك: “أنا صاحبة رسالة وبريح قلوب ا

“ارمى بياضك يا حلوة ” قالتها أم ياسر واصطنعت إبتسامة عريضة دافئة متظاهرة بأنها عالمة ببواطن الأمور وهي تحاول الاقتراب مني لترى تأثير كلماتها علي، وتكمل حديثها بثقة تليق بها كـ”عرافة” لها زبائن أجانب وعرب ومصريين.
شاهدت العرافة على شاشات التليفزيون كثيرا لكن لم أتخيل أنه من الممكن أن أجلس أمام واحدة منهن ذات يوم، وأبسط كفي لتقرأ لي حتى ما لا أريد أن أعرفه، وعندما رأيت عرافة “تضرب الودع وتبين زين” خلال مروري بحى الزمالك تجلس على أحد الأرصفة، دفعني الفضول لمقابلتها، حيث لفتت نظري بتناقضاتها فهي امرأة بسيطة تجلس على الرصيف وتدخن سجائر أجنبية، وتبدو نظراتها مريبة.
عندما فكرت لأول مرة في مقابلة العرافة والتحدث إليها لم أتصور أن شعورا بالخوف يمكن أن يتسلل لي عند لقائها، لكن الخوف الذي بدا لي شعور طبيعي من امرأة مريبة اختلط بالإثارة الظاهرة في طريقة كلامها، واتجاه نظراتها.
ذهبت إليها واصطحبت معي صديقتى “منى”، وأخبرنا العرافة إننا طالبتان فى الجامعة ورغم قدرتها “الخارقة” على معرفة بواطن الأمور لم تدرك أننا لم نكشف لها عن هويتنا الحقيقية أو حتى السبب وراء مجيئنا إليها.
تمتلك السيدة- التي لم أكن أعرف اسمها في البداية- قدرة غير طبيعية فى التأثير على من أمامها لدرجة أنها تجعلك تنجذب لحديثها وتعتقد أنك سترى مستقبلك فى الكلمات التي ترددها وكأنك تطالع دفتر حياتك وتستعرض صفحات من عمرك.
تخفى ملامح “أم ياسر” الجامدة كثيرا من الغموض والتناقض، فهى ترتدى غطاء رأس و”جلباب بلدى” أسود اللون، ومنذ 33 عامًا وهي تجلس على الرصيف بالزمالك بعد أن “أخذت العهد” حيث تقول “ورثت قراية الطالع من أبويا وأمي”.
تصر أم ياسر على أنها لاتعمل وأن ما تقوله من كلمات هي خدمة تبتغي بها الأجر من خالقها “أنا مش بشتغل أنا بخدم الناس وبريح قلوبهم لوجه الله” فى حين أنها تستنزف “جيوب” زبائنها فى مقابل كلمات تكررها للجميع وأقل أجر تحصل عليه هو 300 جنيه من الزبون الواحد لكن “فك الأعمال والسحر” يصل لآلاف الجنيهات وعلى الرغم من ذلك فهى ترى أنها صاحبة رسالة تقدمها لوجه الله وهى إراحة قلوب البنات على وجه الخصوص وتحقيق أمانيهم قائلة “مشكلتى فى الدنيا إنى بحب البنات أوى”.
تجلس العرافة على الرصيف فى الزمالك أرقى أحياء القاهرة بالقرب من فندق شهير، فزبائنها الدائمين من سكان المنطقة، فضلا عن الأجانب والعرب الذين يأتون إليها من جميع أنحاء العالم و”يطلبوها بالإسم” – كما تقول-.
وعلى الرغم من أنها إمرأة بسيطة فى ملابسها لكنها من سكان حى الزمالك الذي لايسكنه إلا الأثرياء، وهى أم لولد و9 بنات لكنها غير قلقة بشأن أولادها ومستقبلهم لأنها “محصناهم”-على حد قولها- وعلى يقين إنهم لن يصيبهم مكروه كالحسد والنظرة وغيرها لأن “باب النجار مش مخلع وأقدر أحمى أولادي وأريح بالهم وأحقق أمانيهم”.
تؤكد “أم ياسر” إنها مؤمنة بالله وأن الله سبحانه وتعالى قد أعطاها “أسرار وعلم” جعلها متميزة فى مثل هذه الأعمال التى لا علاقة لها بالدين والإيمان فعلمها ببواطن الأمور كما تزعم هو علم من عند الله يجعل من أمامها يثق بأنها قادرة على فعل أشياء خارقة، فهى مدخنة من الطراز الأول تشرب السجائر الأجنبية بشراهة دون خوف من تأثير التدخين على صحتها.
طلبت “أم ياسر” من منى أن “ترمى بياضها” بشرط أن تخرج كل ما فى جيبها حتى تقول لها حقيقة أمرها كاملة ودار بينهما حوار حيث قامت بسؤال صديقتي عدة أسئلة ومن خلال إجابتها قالت لها العرافة “انتى عليكى نظرة وكل ما يقربلك الخير يبعد تانى وعشان أفكلك النظرة لازم تهون عليكى الفلوس”.
طلبت العرافة بإصرار من منى أن تعطى لها مبلغ 150 جنيه “عشان أفكلك النظرة” وأخبرتها أن حالها سيسوء إن لم تدفع لها المبلغ لكن إذا دفعت ستعطيها شيئا ما ترميه في البحر لتفك النظرة وتبعد عنها الحسد.
توقعت أن تنتهي مغامرتنا مع العرافة عند هذا الحد، لكني فوجئت بصديقتي التي بدت مصدقة وواقعة تحت تأثير العرافة –على خلفية مشكلة شخصية معتادة- تخرج من جيبها ما طلبته “سيدة الرصيف” من نقود وأعطتها لها.
أوهمت العرافة منى –وهي آنسة- بأن هناك إمرأتان وراء هذه النظرة والحسد بما يعطل زواجها أو ارتباطها “واحدة ست وأختها أو واحدة وبنتها” وأعطتها “حجابا” لترميه في البحر ولكن عليها قبل أن ترميه أن تقول العبارات التالية التى رددتها سارة ورائها “يا بحر يا جاري فك حسدي وأعمالي وافتح بابي وريح قلبي وبالي وجوزني ولبسني الشبكة” صمتت العرافة وحدقت في سارة ثم قالت لها “بعد كده تقولي..يا سيدى عبد السلام طوع أحبابي زى ما أنا عايزة.. يالى أذيتونى فكونى”.
أكدت العرافة لمنى أن هذه العبارات ستحقق لها كل ما تتمناه وتبعد عنها الحسد الذي قالت إنه “مذكور فى القرآن” لتبرر أعمل السحر والشعوذة التى تقوم بها.
أخرجت العرافة “منديل قماش” وربطته حول يد سارة فى 3 عقد وطلبت منها أن تمسك بالمنديل المعقود فى يدها بشدة وبعد ترديد العبارات التى قالتها العرافة وجدت سارة العقد تفككت وهى فى يدها.
لاحظت خوفا وقلقا في عيون صديقتي منى وانتابني الشعور نفسه فقررت ترك المكان عندما اقتربت منى العرافة ولمست وجهى بيديها ووضعت يدها الأخرى على كتفى وضمتنى لها وطلبت منى بإصرار أن نعود إليها مرة أخرى.
لفت نظرنا حركة غير طبيعية فى المكان فقد تكرر اقتراب عدد من الرجال منا وهي تقول لهم “تمام..مفيش حاجة” وتشير بيدها، وكأن كل منهم “واحد من رجالتها” جاء لخدمتها ووقتها شعرنا أنها ليست مجرد عرافة وأنها من الممكن أن تكون لها مهنة أخرى لا نعلمها، مهنة تقود للقوة والثراء.
تشابكت يدي مع صديقتي ونحن نبتعد بسرعة، وقالت منى وهي تلهث “دي أول مرة أجرب حاجة زي دي” وأخبرتني أنه بالرغم من أن كان لديها القوة والشجاعة أن تقابل هذه العرافة ذات المظهر الغامض وتتحدث معها دون سابق معرفة، لكن بمجرد جلوسها أمامها والنظر لعينيها دب الخوف فى قلبها.
تضيف: “ارتبكت بعد موضوع المنديل وشعرت أنها تريد السيطرة على تفكيرى وتخليني واثقة إنها تقدر تعمل أى شىء خارق”.
تختم منى بعد أن تجاوزنا مكان العرافة: وجدت نفسى أتتبع حديثها دون تفكير أو تركيز، لكنها كانت تنظر لى نظرات غير مطمئنة جعلتنى أشعر بالخوف والقلق على نفسى.
نظرت إلى سارة وضغطت على يديها بقوة ونحن نبتعد أكثر، فلم أكن مثلها أعتقد أن مثل هذه النظرات يمكن أن تصدر من “واحدة ست لأى بنت”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *