الدكتور يوسف العميري:مناشدة مصر للإعلام ورسالة الاتحاد العربي لوسائل الإعلام

دعاء زكريا
أكد الدكتور يوسف العميري رئيس الإتحاد العربي لوسائل الإعلام أنه في الوقت الذي تهيب فيه مصر بوسائل الإعلام العربية والدولية والمراسلين الأجانب تحري الدقة فيما ينشر بشأن الشأن المصري، تأتي هذه المناشدة لتفتح نقاشا أوسع من حدود الخبر نفسه، نقاشا يتعلق بمسؤولية الإعلام العربي في واحدة من أكثر المراحل التي أصبحت فيها المعلومة سلاحا لا يقل تأثيرا عن أي أدوات أخرى.
أشار إلى أن وزارة الخارجية المصرية حين تصدر دعوة واضحة إلى وسائل الإعلام بضرورة الاعتماد على المعلومات الصادرة عن المسؤولين والمصادر الرسمية المصرية، فإن الرسالة لا تتعلق فقط بتصحيح أخبار مغلوطة أو الرد على بعض التغطيات غير الدقيقة، وإنما تؤكد قاعدة مهنية أساسية يفترض أن تكون حاضرة في كل غرفة أخبار عربية.. لا خبر بلا مصدر، ولا معلومة بلا تحقق.
وأوضح هنا تتقاطع هذه الرسالة بصورة مباشرة مع الهدف الذي يعمل من أجله الاتحاد العربي لوسائل الإعلام، التابع لمجلس الوحدة الاقتصادية العربية بجامعة الدول العربية، والذي يسعى إلى بناء مظلة إعلامية عربية تجمع وسائل الإعلام والمؤسسات الأكاديمية وصناع المحتوى، وتدعم مفهوم الإعلام المهني المسؤول، وتعزز التعاون والتنسيق وتبادل الخبرات بين مختلف مكونات المشهد الإعلامي العربي.
المشكلة اليوم لم تعد في الحصول على المعلومة.. المشكلة في معرفة أي معلومة تستحق أن تنشر.
ذكر العميري : قبل سنوات كان الخبر يمر على محرر، ثم رئيس قسم، وربما رئيس تحرير، قبل أن يصل إلى القارئ أما اليوم فقد ينتقل الخبر من هاتف إلى هاتف، ومن حساب إلى حساب، ومن منصة إلى أخرى، خلال دقائق، دون أن يمر في كثير من الأحيان على أي عملية تحقق حقيقية.
وهنا تكمن الخطورة.
أشار إلى أن تبدأ القصة قد تبدأ بمنشور من حساب مجهول، ثم تعيد نشره عشرات الحسابات، وبعدها تتناقله صفحات إخبارية باعتباره معلومة متداولة، ثم يجد طريقه إلى بعض وسائل الإعلام، وفي النهاية يصبح ما بدأ باعتباره شائعة حقيقة يتعامل معها الجمهور على هذا الأساس.
الأخطر أن الأمر لا يتوقف عند الأخبار العادية.
أضاف أن الأمر عندما يتعلق بالأمن القومي، أو العلاقات بين الدول، أو الأزمات السياسية والعسكرية، أو الأحداث التي تمس الاستقرار الداخلي، فإن نشر معلومة غير دقيقة يمكن أن يؤدي إلى نتائج تتجاوز بكثير حدود الخطأ المهني.
موضحاً لهذا فإن دعوة مصر إلى تحري الدقة يجب أن تكون محل اهتمام كل الإعلام العربي، لا باعتبارها مطالبة تخص دولة بعينها، وإنما باعتبارها تذكيرا بمسؤولية مشتركة.
وهذه المسؤولية هي تحديدا إحدى المساحات التي يسعى الاتحاد العربي لوسائل الإعلام إلى العمل فيها.
فالهدف ليس فقط جمع المؤسسات الإعلامية العربية تحت مظلة واحدة، وإنما المساهمة في بناء بيئة إعلامية أكثر تعاونا ومهنية، يكون فيها التحقق من المعلومات واحترام المصادر الرسمية والتمييز بين الخبر والرأي والشائعة جزءا من الثقافة الإعلامية العربية.
وأكد أن الاتحاد قد بدأ بالفعل في بناء هذه المنظومةفهو يضم اليوم أكثر من 150 موقعاً إخباريا تحت مظلته، ويعمل على توسيع قاعدة المؤسسات الإعلامية المشاركة، بالتوازي مع الانفتاح على كليات الإعلام في الجامعات العربية، حيث يضم حاليا نحو 3800 طالب وطالبة من كليتين، إلى جانب العمل على استقطاب صناع المحتوى باعتبارهم طرفا رئيسيا في صناعة الإعلام الجديد.
أشار إلى أن هنا تظهر أهمية الفكرة
إذا كنا نريد إعلاما عربيا أكثر مهنية في المستقبل، فلا يمكن أن نبدأ من المؤسسات الإعلامية وحدها، بل يجب أن نبدأ أيضا من الجامعات، ومن الطلاب الذين سيشكلون غرف الأخبار في السنوات المقبلة، ومن صناع المحتوى الذين أصبحوا قادرين على الوصول إلى جمهور يفوق أحيانا جمهور المؤسسات الإعلامية التقليدية.
نحن أمام منظومة إعلامية تغيرت بالكامل، ولذلك لا بد أن تتغير معها أدوات التعامل مع المعلومة لم يعد مقبولا أن يكون معيار نشر الخبر هو سرعة الوصول إليه.
أضاف أن المعيار الحقيقي يجب أن يكون.. دقة المعلومة، ومصدرها، وسياقها، وقدرة المؤسسة على تحمل مسؤولية نشرهاوهذا لا يعني أن يتحول الإعلام إلى مجرد ناقل للبيانات الرسمية.
وأوضح أنه على العكس، الإعلام المهني دوره أن يسأل ويحقق ويبحث ويفتح الملفات ويضع المعلومات أمام الجمهور، لكن كل ذلك يجب أن يقوم على أساس مهني واضح، وليس على أخبار مجهولة المصدر أو منشورات منصات التواصل الاجتماعي.
أشار إن هناك فرق كبير بين أن تكون المؤسسة الإعلامية جريئة، وأن تكون متسرعة وفرق أكبر بين حرية النشر وبين نشر ما لا يمكن التحقق منه.
وفي القضايا العربية الحساسة، تصبح هذه المسؤولية مضاعفة فخبر غير صحيح عن دولة عربية قد يتحول إلى أزمة دبلوماسية، ومعلومة غير دقيقة حول حدث أمني قد تثير حالة من الذعر، وتقرير غير موثق عن موقف سياسي قد يخلق رواية كاملة لا علاقة لها بالواقع.
أكد على إن الحاجة اليوم ليست فقط إلى صحفي يعرف كيف يكتب الخبر، وإنما إلى صحفي يعرف كيف يتحقق منه ونحن بحاجة إلى مؤسسات إعلامية لا تتعامل مع التصحيح باعتباره إقرارا بالفشل، وإنما تعتبر الاعتذار عن خطأ مهني أفضل ألف مرة من الإصرار على معلومة ثبت عدم صحتها.
أضاف كما أننا بحاجة إلى تعاون عربي حقيقي بين المؤسسات الإعلامية، بحيث لا تعمل كل مؤسسة بمعزل عن الأخرى في مواجهة سيل المعلومات المضللة، وإنما تتبادل الخبرات والأدوات والممارسات المهنية التي تساعد على حماية الجمهور من التضليل وهذا هو المعنى الأوسع لفكرة الاتحاد العربي لوسائل الإعلام أن تكون هناك مظلة تجمع، لا لتلغي خصوصية كل مؤسسة، وإنما لتخلق مساحة للتعاون.
أشار إلى أن تجمع المواقع الإخبارية، وكليات الإعلام، والطلاب، وصناع المحتوى، والمؤسسات الإعلامية، حول هدف واحد.. إعلام عربي أكثر مهنية وقدرة على التعامل مع عصر المعلومات المفتوحة ومن هنا يمكن النظر إلى المناشدة المصرية باعتبارها فرصة لإعادة التأكيد على مبدأ بسيط، لكنه أصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى..
تحري الدقة ليس مجاملة للدول، وليس قيدا على الإعلام، وإنما حماية للمهنة والجمهور والحقيقة.
أضاف أن الدولة تحتاج إلى إعلام ينقل عنها بدقة، والإعلام يحتاج إلى مصادر رسمية واضحة وسريعة، والجمهور يحتاج إلى معلومة يمكن الوثوق بها.
وعندما تتكامل هذه الأطراف، يصبح الإعلام قوة بناء ووعي، وليس ساحة للفوضى المعلوماتية.
أشار إلى إن معركة الإعلام العربي في المرحلة المقبلة لن تكون فقط في امتلاك المنصات أو زيادة عدد المتابعين موضحاً أن المعركة الحقيقية ستكون في الثقة ومن يستطيع أن يحافظ على ثقة الجمهور، سيبقى أما من يجعل السرعة أهم من الحقيقة، ومن يمنح الشائعة قيمة الخبر، فلن يخسر فقط ثقة الجمهور، وإنما يساهم أيضا في إضعاف الإعلام العربي كله.
ولهذا فإن ما طلبته مصر من وسائل الإعلام العربية والدولية يمكن أن يكون بداية لرسالة عربية أوسع..
وطالب العميري بتحروا الدقة.. لأن الحقيقة مسؤولية، ولأن الإعلام العربي الذي نحتاجه في المستقبل لا يجب أن يكون الأسرع في نشر الخبر، وإنما الأكثر قدرة على إثبات صحته وهذه هي المساحة التي يسعى الاتحاد العربي لوسائل الإعلام إلى ترسيخها.. أن يكون الإعلام العربي أكثر تعاونا، وأكثر مهنية، وأكثر قدرة على حماية الحقيقة في زمن أصبحت فيه الشائعة أسرع من الخبر.