Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
مقالات القراء

حين يسقط الأمان عن بلدٍ كامل: لبنان بين حربٍ تُدار وقرارٍ غائب

بقلم نورا علي المرعبي

في بيروت، كانت أمّ تحاول أن تقنع طفلها أن الصوت الذي دوّى لن يقترب منهم. تبحث عن جملة تحميه من الخوف، لكن الخوف كان أسرع من الكلمات. لأن ما يحدث لم يعد حدثًا عابرًا، بل لحظة انكشاف كاملة: لم يعد في هذا البلد مكانٌ يمكن أن ينجو.

لم يسقط مبنى فقط، بل سقط وهم الأمان الجزئي. لم يعد لبنان جنوبًا يُقصف ولا عاصمة تُستثنى، بل بلدًا يعيش داخل الحرب بالكامل. لم تعد المسافة تُقاس بالكيلومترات… بل بمدى وصول الصاروخ.

انهارت الجغرافيا الأمنية. لم تعد الخرائط تفسّر، ولا المسافات تحمي، ولا المناطق تُصنّف. حين يصبح كل مكان احتمالًا، يتحوّل الخطر من حدث إلى حالة، ومن ضربة إلى واقع دائم يسكن الوعي قبل أن يصل إلى الأرض.

وفي الخلفية، تُرسم معادلات أكبر من لبنان. بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، تُدار التوازنات، بينما يُختزل لبنان إلى مساحة تُستخدم لإيصال الرسائل. تُعلن التهدئات هناك، وتُترجم هنا. لا يفاوض… بل يُفاوض عليه. وهنا تتآكل السيادة: حين لا يُصنع القرار داخل البلد، يفقد قدرته على حماية نفسه.

تغيّرت طبيعة الحرب. لم تعد بحاجة إلى جبهات، بل إلى بيانات، سرعة، ودقة. التكنولوجيا لم تُبعد الخطر، بل قرّبته، وجعلت كل مدينة مكشوفة، وكل حياة قابلة للاهتزاز. ولم تعد المعركة بالصواريخ فقط، بل بالمعلومات: الخوف يسبق الضربة، والصورة تكرّسها، والشاشة تتحوّل إلى جبهة ثانية. هكذا تتحول الحرب إلى حالة نفسية مستمرة.

اللبناني اليوم لا يعيش تحت القصف فقط، بل تحت انتظار القصف. وهذا الانتظار هو أقسى أشكال الاستنزاف. أن يصبح يومك احتمالًا، ومستقبلك مؤجّلًا، وقدرتك على الحلم معلّقة… هذه حرب على الإنسان، لا على الأرض فقط.

لكن الخطر لا يأتي من الخارج وحده. فالدول لا تُحمى بحدودها فقط، بل بتماسكها الداخلي. حين تتقدّم الانتماءات الحزبية على المواطنة، وتتوزّع الولاءات خارج إطار الوطن، يفقد لبنان مناعته، ويصبح أكثر قابلية لأن يُستخدم كساحة. المشكلة ليست في التعدد، بل في غياب المواطنة الجامعة التي تحوّله إلى قوة.

لبنان لا يحتاج فقط إلى سيادة سياسية، بل إلى سيادة مواطنية: ولاء واضح للدولة، يعلو على أي انتماء آخر. لأن أي بلد لا يمتلك هذا الأساس، يبقى عرضة لأن يُدار من الخارج، مهما حاول أن يبدو متماسكًا.

الخروج من هذا الواقع لا يكون بالشعارات، بل بتحوّل حقيقي: من بلد يتلقى الضربات إلى دولة تستبقها، تبني قدراتها، وتستخدم التكنولوجيا لحماية شعبها، لا لتركه مكشوفًا. ومن مجتمع يعيش الصدمة، إلى مجتمع يُعاد ترميمه نفسيًا ليبقى قادرًا على الاستمرار.

لبنان اليوم ليس أزمة عابرة، بل لحظة تعريف. بلد كان يُقال عنه رسالة، أصبح يُعامل كمساحة. وشعب كان يُعرف بصموده، أصبح يُختبر في قدرته على الاحتمال.

لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها:

لبنان ليس ساحة. لبنان شعب، وحين يُترك شعب بلا ملجأ،
فالصمت ليس حيادًا… بل تواطؤًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى